مرحبا بكم في المحاضرة الثامنة من دورة جهاز القلب، والتي تختص في الدورة القلبية وتوضح العلاقة بين النشاط الكهربائي، وضغط الدم، وحركة الصمامات، وحجم البطينين خلال كل نبضة قلب.
تُعد الدورة القلبية (Cardiac Cycle) من المفاهيم الأساسية في علم وظائف الأعضاء، إذ تمثل التسلسل الكامل للأحداث التي تحدث داخل القلب خلال نبضة واحدة.
بعد التعرف سابقًا على تشريح القلب ونظام التوصيل الكهربائي والصمامات، يأتي الوقت الآن لربط هذه العناصر معًا لفهم الصورة الكاملة لوظيفة القلب.
توضح هذه المحاضرة كيف يعمل القلب بشكل منظم ودقيق لضخ الدم المحمّل بالأكسجين والمواد الغذائية إلى جميع أنحاء الجسم، وهي عملية حيوية لاستمرار الحياة.
مقدمة في الدورة القلبية
تُعرَّف الدورة القلبية بأنها سلسلة من التغيرات الكهربائية والميكانيكية التي تحدث في القلب بدءًا من انقباض الأذينين وانتهاءً بامتلاء البطينين مرة أخرى، إذ تتضمن هذه الدورة مرحلتين أساسيتين:
- الانقباض (Systole): وهي مرحلة ضخ الدم.
- الانبساط (Diastole): وهي مرحلة امتلاء القلب بالدم.
من الجدير بالتنويه، أنه يجب النظر إلى العلاقة بين النشاط الكهربائي للقلب و التغيرات في الضغط و حركة الصمامات، وحجم الدم داخل الحجرات القلبية، لكي يتم فهم الدورة القلبية بشكل أعمق.
النشاط الكهربائي ودوره في تنظيم الدورة القلبية
تعتمد وظيفة القلب كـ “مضخة” للجسم على نظام كهربائي داخلي دقيق يحدد توقيت انقباض عضلة القلب واسترخائها، وتتلخص هذه العملية في النقاط التالية:
1. من أين تبدأ الشرارة الأولى؟
تبدأ عملية النبض في منطقة متخصصة تسمى “العقدة الجيبية الأذينية” (SA Node)، والتي تعمل بمثابة “المنظم الطبيعي” لضربات القلب.
إذ تطلق إشارات كهربائية دورية تنتشر عبر جدران الأذينين، مما يحفزهما على الانقباض لضخ الدم إلى البطينين.
2. محطة التوقف المؤقت (العقدة الأذينية البطينية)
لا تنتقل الإشارة مباشرة من الأذينين إلى البطينين، بل تمر عبر محطة تسمى “العقدة الأذينية البطينية” (AV Node). تقوم هذه العقدة بتأخير الإشارة الكهربائية لجزء بسيط من الثانية (حوالي 0.1 ثانية).
وهذا التأخير ضروري جداً لضمان انتهاء انقباض الأذينين وتفريغ الدم تماماً داخل البطينين قبل أن يبدأ انقباضهما.
3. انتشار الإشارة للبطينين
بعد ذلك، تنتقل الإشارة بسرعة عبر مسارات متخصصة تُعرف بـ “حزمة هيس” (AV Bundle)، لتصل إلى عضلات البطينين، مما يؤدي إلى انقباضهما القوي لضخ الدم إلى بقية أعضاء الجسم.
قراءة النشاط الكهربائي (تخطيط القلب – ECG)
يستخدم الأطباء جهاز تخطيط القلب لرسم المسار الكهربائي للقلب على شكل موجات، ولكل موجة دلالة حيوية:
- موجة P: تعبر عن نشاط الأذينين الكهربائي (التحفيز الذي يسبق انقباضهما).
- مركب QRS: يعبر عن النشاط الكهربائي القوي للبطينين (التحفيز الذي يسبق ضخ الدم للجسم).
- موجة T: تعبر عن مرحلة “الراحة” أو استعادة العضلة لحالتها الكهربائية الطبيعية بعد الانقباض، استعداداً للنبضة التالية.
التغيرات في الضغط وتأثيرها على الصمامات
يكون لفروقات الضغط داخل القلب الدور الأهم في تحديد متى تفتح وتغلق الصمامات، مما يضمن تدفق الدم في اتجاه واحد فقط من خلال التسلسل التالي :
- يبدأ الأذينان بالانقباض (Atrial Systole)، مما يزيد الضغط داخلهما قليلًا.
- ينتقل الدم إلى البطينين بسبب هذا الارتفاع البسيط في الضغط.
- يبدأ البطينان بالانقباض (Ventricular Systole)، فيرتفع الضغط داخلهما بسرعة.
- عندما يصبح ضغط البطين أعلى من الأذين ،تُغلق الصمامات الأذينية البطينية (AV Valves).
- عندما يتجاوز ضغط البطين ضغط الشريان ،تفتح الصمامات الهلالية (Semilunar Valves).
- عند انخفاض ضغط البطين،تُغلق الصمامات الهلالية لمنع رجوع الدم.
- وعندما يصبح ضغط البطين أقل من الأذين ،تُفتح الصمامات الأذينية البطينية من جديد.
حجم البطين وديناميكيته خلال الدورة القلبية
يعتبر حجم الدم داخل البطينين مؤشراً حيوياً على كفاءة أداء القلب، وهو حجم متغير باستمرار تبعاً لمراحل الدورة القلبية. ويمكن تلخيص هذه التغيرات في النقاط التالية:
- مرحلة الامتلاء (الانبساط البطيني): يكون حجم الدم في البطين مرتفعاً خلال مرحلة انبساط القلب، حيث يزداد هذا الحجم بشكل إضافي وطفيف عند انقباض الأذينين لدفع ما تبقى من الدم إلى البطين.
- مرحلة الضخ (الانقباض البطيني): ينخفض حجم الدم داخل البطين بشكل ملحوظ خلال هذه المرحلة؛ نتيجة لتقلص عضلة القلب وضخ الدم بقوة نحو الشرايين.
- الدورة المتجددة: عقب الانتهاء من عملية الضخ، يبدأ حجم البطين بالزيادة مجدداً مع بدء مرحلة الامتلاء الجديدة.
تتسم هذه العملية بما يلي:
- يحدث امتلاء البطين بالدم أثناء مرحلة الانبساط (Ventricular Diastole).
- يحدث ضخ الدم من البطين أثناء مرحلة الانقباض (Ventricular Systole).
- يصل حجم الدم داخل البطين إلى أدنى مستوياته فور الانتهاء من عملية الضخ مباشرة.
أصوات القلب وعلاقتها بالدورة القلبية
تُعَد أصوات القلب مؤشرات حيوية ودلالات ميكانيكية على عمل القلب، ويمكن للطبيب الاستماع إليها بوضوح باستخدام السماعة الطبية. وتتمثل هذه الأصوات في صوتين أساسيين:
- الصوت الأول (S1):
- سببه: ينشأ نتيجةً لانغلاق الصمامات الأذينية البطينية (الصمام التاجي والصمام ثلاثي الشرفات).
- دلالته: يمثل بداية مرحلة “الانقباض البطيني”.
- الصوت الثاني (S2):
- سببه: ينشأ نتيجةً لانغلاق الصمامات الهلالية (الصمام الأبهري والصمام الرئوي).
- دلالته: يمثل بداية مرحلة “الانبساط البطيني”.
التكامل بين المكونات المختلفة
يظهر بوضوح عند جمع كل هذه العناصر معًا، أن الدورة القلبية ليست مجرد سلسلة عشوائية من الأحداث، بل هي نظام متكامل يشمل:
- إشارات كهربائية منظمة.
- انقباضات عضلية دقيقة.
- تغيرات ضغط محسوبة.
- فتح وإغلاق منسق للصمامات.
هذا التكامل هو ما يسمح للقلب بالعمل بكفاءة عالية لضخ الدم بشكل مستمر دون توقف.
الخلاصة
تُظهر الدورة القلبية مدى الدقة في عمل القلب، حيث تتكامل الإشارات الكهربائية مع التغيرات الميكانيكية لضمان تدفق الدم بشكل صحيح.
فهم هذه الدورة يساعد على تفسير العديد من الظواهر السريرية، مثل أصوات القلب، وضغط الدم، وتخطيط القلب الكهربائي.
كل نبضة قلب تمثل تكرارًا لهذه الدورة المنظمة، والتي تضمن بقاء الجسم حيًا ومزوّدًا بالأكسجين والعناصر الغذائية.



